أصحاب السعادة،
أيّها السيّدات والسادة،
إنّني ممتنّ للفرصة المتاحة لي لأزور هذه الأرض الغنيّة جدًّا بالتاريخ والثقافة وأتأمّل بجمالاتها الطبيعية وأرى بعينيّ طاقة الشعب التركي الخلاّقة وأتذوّق ثقافتكم العريقة وتاريخكم الطويل، سواء المدني أم الديني.
فور وصولي إلى تركيا، استقبلني رئيس الجمهورية بلطف. وتشرّفتُ كثيرًا بلقائي أيضًا وبتحيّتي رئيس الوزراء، السيّد إردوغان، في المطار. وقد أسعدني، في تحيّتي لهما، أن أُعرب عن احترامي العميق لجميع سكّان هذه الأمّة العظيمة وأن أكرّم مؤسّس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، أمام ضريحه.
يسرّني الآن أن ألتقيكم، أنتم رئيس مديرية الشؤون الدينية. إنّني أعرب لكم عن مشاعر تقديري معترفًا بمسؤولياتكم الكبيرة. وأشمل بالتحيّة جميع الرؤساء الروحيين في تركيا، وبخاصة سماحة مفتيي أنقرة وإستنبول. وإنني أحيّي بشخصكم، حضرة الرئيس، جميع مسلمي تركيا، بتقديرٍ خاصٍّ واحترامٍ ودود.
إنّ بلدكم عزيز جدًّا على قلوب المسيحيين: فهنا تأسّست الجماعات الأولى في الكنيسة وبلغت نُضجها، مستوحية تبشير الرسل، وبخاصة تبشير القدّيسين بولس ويوحنّا. ويعلن التقليد الذي وصل إلى يومنا أنّ مريم، أمّ يسوع، عاشت في أفسس، في بيت الرسول القديس يوحنّا.
لقد شهدت هذه الأرض النبيلة، بالإضافة إلى ذلك، ازدهارًا ملحوظًا للحضارة الإسلامية في مختلف الحقول، بما فيها الأدب والفنّ وكذلك أيضًا المؤسسات.
هنالك مبانٍ مسيحية وإسلامية عديدة تشهد على ماضي تركيا المجيد. وإنّكم تفتخرون بها بحقٍّ محافظين عليها ليتأمّل بها عدد متزايد دائمًا من الزوّار الذين يأتون إلى هنا بأعداد كبيرة.
لقد تهيّأتُ لهذه الزيارة إلى تركيا بنفس المشاعر التي عبّر عنها سلفي الطوباوي يوحنا الثالث والعشرون، حين وصل إلى هنا بصفة رئيس الأساقفة أنجيلو جوزيبّي رونكالّي، ليقوم بمهمّة ممثل بابوي في إستنبول وقال: «أشعر بأنني أحبّ الشعب التركي الذي أرسلني الربّ إليه... إنني أحبّ الأتراك وأقدّر الصفات الطبيعية لهذا الشعب الذي له مكانته المعَدّة أيضًا في مسيرة الحضارة» (جريدة الروح، 237-231 ).
إنّني أرغب، من جهتي أنا أيضًا، في التشديد على صفات الشعب التركي. وأتبنّى هنا كلمات سلفي المباشر، البابا يوحنا بولس الثاني السعيد الذكر، الذي قال في مناسبة زيارته في عام 1979: »إنّني أتساءل، في هذا اليوم الذي دخل فيه المسيحيون والمسلمون مرحلة جديدة من التاريخ، عمّا إذا لم يكن من الملحّ الإقرارُ بالروابط التاريخية التي تجمعنا وتنميتُها، «بهدف قيامنا معًا بتعزيز وحماية القيم الأدبية والسلام والحرّيّة»« (الخطاب إلى جماعة أنقرة الكاثوليكية، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1979، 3).
ظلّت هذه المسائل تطرح نفسها طيلة السنين اللاحقة؛ وفي الواقع، وكما بيّنتُ في مطلع حبريّتي بالذات، إنّها تحثّنا على مواصلة حوارنا كتبادل صادق بين أصدقاء. فعندما سُررتُ بلقاء أبناء الجاليات الإسلامية في مدينة كولونيا في العام الماضي، بمناسبة اليوم العالمي للشبيبة، ذكّرتُ بضرورة معالجة الحوار بين الأديان وبين الثقافات بتفاؤل ورجاء. فهذا الحوار لا يمكن أن يقتصر على شيء إضافيّ اختياريّ، بل بالعكس، إنّه «ضرورة حياتية يتعلق بها مستقبلنا إلى حدٍّ بعيدٍ (الكلمة إلى ممثّلي الجماعات الإسلامية، كولونيا، 20 آب/أغسطس 2005).
إنّ المسيحيين والمسلمين، باّتباع كل منهم ديانته، يلفتون الانتباه إلى حقيقة طابع الشخص المقدّس وكرامته. هذا هو أساس احترامنا وتقديرنا المتبادلين، وهذا هو أساس التعاون في خدمة السلام بين الأمم والشعوب، وهذه هي أعزّ رغبة لدى جميع المؤمنين وجميع الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة.
لأكثر من أربعين عامًا، أوحى تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني تصرّف الكرسيّ الرسولي والكنائس المحلّيّة في العالم كلّه في العلاقات مع أتباع الديانات الأخرى وهداه. فالمجمع، باتّباعه التقليد البيبلي، يعلّم أن الجنس البشري كلّه يتقاسم أصلاً مشتركًا ومصيرًا مشتركًا: الله، خالقنا وهدف رحلتنا الأرضية. إنّ المسيحيين والمسلمين ينتمون إلى عائلة المؤمنين بالله الواحد والذين ـ بحسب تقاليد كلّ منهم ـ يرجعون إلى إبراهيم (راجع المجمع الفاتيكاني الثاني، الإعلان عن علاقات الكنيسة مع الأديان غير المسيحية، Nostra Aetate 1،3). إنّ هذه الوحدة البشرية والروحية في أصولنا ومصائرنا تدفعنا إلى البحث عن طريق مشترك، فيما نقوم بتأدية قسطنا في ذلك البحث عن القيم الأساسية المميّز لأبناء زمننا. إننا نواجه، كرجال ونساء دين، تحدّي التطلّع الواسع إلى العدالة والإنماء والتضامن والحرّيّة والأمن والسلام وإلى الدفاع عن البيئة وعن ثروات الأرض. وذلك، لأنّنا نحن أيضًا، فيما نحترم الاستقلال الذاتي الشرعي للأمور الزمنية، لنا إسهام معيّن يجب تقديمه في البحث عن حلول ملائمة لمسائل ملحّة كهذه.
وعلى وجه الخصوص، يمكننا أن نقدّم جوابًا موثوقًا به على السؤال النابع بوضوح من المجتمع الحالي، حتى وإن كان منحًّى في غالب الأحيان، أي السؤال المتعلق بمعنى الحياة وهدفها بالنسبة إلى كل فرد وإلى البشرية جمعاء. إننا مدعوّون إلى العمل معًا لكي نساعد المجتمع على الانفتاح على المتسامي، معترفين لله القدير بالمكانة التي تعود إليه. إنّ أفضل وسيلة للسير إلى الأمام هي طريقة حوار حقيقي بين مسيحيين ومسلمين، حوار قائم على الحقيقة ومستوحى من الرغبة الصادقة في تعرف أحدنا على الآخر بشكل أفضل، محترمين الفروقات ومعترفين بما هو مشترك بيننا. وهذا الأمر سيؤدّي في آن واحد إلى احترام حقيقي للخيارات المسؤولة التي يتّخذها كل إنسان، لا سيّما الخيارات المتعلقة بالقيم الأساسيّة وبالقناعات الدينية الشخصيّة.
ويطيب لي أن أستشهد ـ كمثال على الاحترام الأخويّ الذي يمكن للمسيحيين وللمسلمين أن يقوموا به معًا ـ ببضع كلمات وجّهها البابا غريغوريوس السابع، في عام 1067، إلى أمير مسلم في شمال أفريقيا كان قد تصرّف بمودّة كبيرة حيال المسيحيين الخاضعين لسلطته. لقد تكلّم البابا غريغوريوس السابع عن المحبة الواجب على المسيحيين والمسلمين تبادلها، طالما أننا «نؤمن ونعترف بإله واحد، حتى وإن كنّا، بطريقة مختلفة، نمجّده كل يوم ونكرّمه كخالق الأجيال وحاكم هذا العالم» (PL 148، 451).
إن الحرّيّة الدينية، متى كانت مضمونة في المؤسّسات ومحترَمة فعليًّا، سواء للأفراد أم للجماعات، تشكّل لجميع المؤمنين الشرط اللازم لإسهامهم الصادق في بناء المجتمع، في موقف خدمة حقيقية ، وبخاصة تجاه من هم أكثر ضعفًا وأشدّ فقرًا.
أودّ يا حضرة الرئيس أن أختم كلمتي بحمد الله القدير الرحيم على هذه المناسبة السعيدة التي تتيح لنا أن نتواجد معًا باسمه. إنّني أتضرّع لكي يكون ذلك علامة لالتزامنا المشترك في الحوار بين المسيحيين والمسلمين، وحافزًا أيضًا على مواصلة هذا الطريق بروح الاحترام والصداقة. أتمنّى أن نتمكّن من الوصول إلى معرفة بعضنا البعض معرفة أفضل، مقوّين روابط المحبة بيننا، في الرغبة المشتركة في العيش معًا بانسجام وسلام وثقة متبادلة. إنّنا، كمؤمنين، نستمدّ من الصلاة القوّة اللازمة لتخطّي أثر كلّ حكم مسبق ولتقديم شهادة مشتركة عن إيماننا الراسخ بالله. فلتكن بركته علينا دائمًا! وشكرًا!