ليست الحقائق الدينية مقترحات نظرية. فهي تريد الدخول في علاقة مع الإنسان بكلّيّته، مع عقله وحياة إرادته وإحساسه. يجب أن تكون معرفة الحقيقة حافزًّا روحيًّا وهديًا للإنسان في توقه إلى الله؛ ويجب أن تحوّل نمط تفكيره وعمله.
تتخطّى الحقائق الدينية قدرة عقلنا، وهذا السرّ أعمق، بالضبط، في عقائد المسيحيّة الأساسيّة. فيمكن تطبيق عبارة تشِستِرتون (Chesterton) على هذه العقائد: «إنّها كالشمس؛ لا يستطيع المرء أن ينظر في داخلها، لكنّنا نستشفّ في ضوئها كل الباقي» . فمن خلال اعتبارٍ محترِمٍ ووالِجٍ في آنٍ معًا، يجب أن يكون بالإمكان صيانة حدود السرّ واستشفاف علاقة بين العقيدة والحياة الفعليّة.
هنالك بضع حقائق تخاطب العقل والقلب بسهولة؛ وهي الحقائق المتعلّقة بفدائنا. وهنالك حقائق أخرى يبدو مَنالُها أكثرَ صعوبة. إليها ينتمي ـ قبل كل شيء ـ أساس إيماننا، أي عقيدة الله الثالوث. لا يندر أن نصادف اقتناعًا بأنّ العقيدة مبدأ مجرّد، ناءٍ وبعيد عن الأرض، يجب التقيّد به، دون شكّ، لكنّه مبدأ خالٍ من معنًى كبير بالنسبة إلى الحياة الفعليّة.
نحن مستعدّون للاعتراف بعلاقة بين سرّ الثالوث والحياة المسيحية في كون أعمال الخلق والفداء والتقديس تُنسَب، بشكلٍ معيّن، إلى الأقانيم الإلهيّة الثلاثة. ونحن ندرك أيضًا وجود علاقة في اعتراف المسيحي بأنّه ابن للآب وأخ وأخت للمسيح، وصديق للروح القدس. وهذه العلاقات الأخيرة عميقة وخصبة بنوعٍ خاصّ. ولكن، ومع هذا كلّه، لم تُبرَز للنور بصراحةٍ بعدُ نقطةُ السرّ المركزيّة، أي كون الله الواحد موجودًا في ثلاثة أقانيم. فهذه النقطة المركزيّة لا تزال في الخلفيّة.
لم يكن الأمر هكذا دائمًا. ففي القرون الوسطى، مثلاً، من الواضح أنّ عقيدة الثالوث الأقدس قد نالت مفهومًا خاصًّا تماما في الحياة المسيحيّة. تُبيّن ذلك الأناشيدُ القديمة التي يَبرز فيها، بقوّةٍ متواصلة، السرُّ العظيم، المعتِم والنيّر في آنٍ معًا. تُثبت ذلك التوجيهاتُ القديمة أيضًا للحياة الروحية. هنا، يبدو الثالوث نقطة الخلاص المركزيّة وينبوع حياة النعمة وهدفها . ففيها كان يُرى أيضًا النصّ الأرفع لأيّة شرعيّة. «باسم الثالوث المقدّس غير المقسوم»: هكذا كان يبدأ القانون الإفرنجيّ (Lex salica) . فكانت السلطة الزمنية والصلاحية القضائيّة تجدان أساسهما الأهمّ في ذلك السرّ.
ليست دلالة جيّدة ـ بالنسبة إلى الحياة المسيحيّة ـ أن توضع جانبًا حقيقةُ الله الواحد والثالوث الجليلة.
تودّ التأمّلات التالية أن تدلّ ـ بمثال ـ كم هي حيّةٌ العلاقةُ بين السرّ الأبعد منالاً بين جميع الأسرار وبين حياتنا اليوميّة: عقيدة الثالوث كالشرعة الكبرى (Magna Charta) لواجب كل جماعة بشريّة وكرامتها.
إنّ الأشكال التي تميّز الجماعة البشرية متنوّعة تنوّعًا كبيرا: اتّصالات اجتماعية سطحيّة؛ علاقات مادّيّة صرف تنتمي إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ أنواع مختلفة من العلاقات العائليّة وعلاقات القربى؛ وأخيرًا، الأنواع المختلفة من العلاقات القائمة على الثقة الشخصية، ابتداءً من العِشرة القصيرة وانتهاءً بأرفع الأشكال، والتي يقيم فيها شخصان متشابهان علاقة جماعة ويحافظون عليها بحرّيّة: أي الصداقة كنموّ تبادلٍ بالعقل والقلب؛ والرُفقة كنموٍّ مشترك لنفس القناعات والأهداف والواجبات أو المهامّ، والزواج في وحدة الحياة الكاملة.
إذا ما حلّلنا هذه العلاقات الجماعية، تَبيّن لنا أنّها تقوم على موقفين متعارضين وعلى حركتين للنفس.
الموقف الأوّل هو التفاني (Hingabe). أي أنّ شخصًا يُشرك الآخر في خيراته المادّيّة وفي معرفته وخبراته ومنافعه الاجتماعية؛ ويُشرك الآخرَ بثقة في حالاته الحميمة؛ ويخدم الآخرَ بغيريّةٍ وأمانةٍ، إلى أن يبلغ التفاني تمامَه في رباط الحبّ الشخصي غير القابل للانحلال.
تؤدّي هذه الحركة، من خلال درجات العاطفة، إلى أسمى أشكال الحبّ في الصداقة والرُفقة والزواج. هنا، كلّ ما كان لأحدهما يصبح للآخر أيضًا. فالتفاني التامّ، الذي لا يحتفظ بعد بشيء للذات، قد خَلق وحدةً جديدةً تشمل الشخصين. فالخيرات والآمال والمشاغل والآلام قد أصبحت مشتركة طالما أنّ النقطة المركزية لحياة كل منهما قد ابتعدت عن مجرّد «الأنا» واقتربت من «الأنت».
إنّ المعنى الذي تتّخذه هذه العلاقة بالنسبة إلى الإنسان بات بيّنًا. فدائرة الذات الضيّقة قد تحطّمت. وانفتح الكائن الخاص الذي تحدّده الميول الشخصية والتربية والبيئة. عادةً ما تُبدي دائرة الذات بسهولةٍ مقاومةً طبيعيةً لحالات الآخر النفسية وأفكاره؛ أمّا الآن فقد تمكّن من معرفة عالم الآخر الباطني من خلال الحبّ. هكذا، تتمّ عمليّة النفس الخاصّة تلك، أي «تبنّي» حياة الآخر الروحية. من خلال التفاني، يدرك الفرد ذاتَه في الآخر، ويشارك مباشرة في حياة الآخر، ويطوّر أفكاره انطلاقًا من أفكار الآخر؛ ويشعر بأنّ فرح الآخر وألمه هما فرحه هو وألمه. من خلال هذه العمليّة، ينشطر العالم الفردي إلى قسمين؛ و تُخصِب أفكار الآخر وحالاته النفسية، المتعارضة في غالب الأحيان، وجودَه الذاتي. وبهذه الطريقة، ينمو هذا الوجود بملْءٍ وخصبٍ جديدين تمامًا، يساندهما العمل المنفتح النابع من المُخاطبة بصيغة حميمية ومن تخطّي الأنانيّة.
طبعًا، في حركة النفس هذه يكمن «خطرٌ» أيضًا: فالثقة التامّة يمكنها، في الواقع، أن تؤدّي إلى التخلّي عن أشياء لا يمكن التنازل عنها، أي مثلا ما هو ملكٌ حميم لشخص ثالث. يمكنها أن تنتزع الاستقلال الذاتي وأن تزوّر الحُكم وتبطئَ الإرادة وتلغيَ الوحدة الشخصية القائمة في ذاتها. ويمكنها أن تحمل الواحد على العمل ضدّ ضميره بإرادة الآخر. فيفقد الأشخاص الذين يخضعون لتأثير الغريزة الجماعية الحصري بسرعةٍ قوّة وأصالة كيانهم ويصبحون تافهين ودون شأن. وتصبح عندها مؤثّرة كل تأثيرات الغريزة الاجتماعية، هذه التأثيرات التي لا تشفى والتي يصفها نيتشه (Nietzsche) بهذه الكلمات الوجيزة : «إنّ الجماعة تجعلنا تافهين» .
من هنا أنّ على حركة النفس هذه أن تلتقي بحركة مقابلة وأن تقاومها: هذا هو ميل النفس إلى التقيّد بذاتها (Selbsthaltung) وإلى وضع مسافة بين الذات والآخر. هذا الميل يحمي الحقّ في القناعات الشخصيّة ويعلن استقلالية الأحكام واستقلالية القرار والمسؤولية. يقابل ذلك لدى الآخر روحُ التكتّم (Zurückhaltung)، أمام ذلك الحدّ الذي يَحصر فيه شخصيةَ الواحد والآخر؛ ويتمّ التعبير عنه في التقيّد بمنع الذات من التأثير على حكم الآخر، واستغلال مشاعره بدلاً من الاتّكال على المسبّبات، وممارسة ضغوط على الضمير، واعتبار الآخر وسيلة من أجل غاية؛ ويتمّ التعبير عنه بالاحترام (Ehrfurcht) العميق الذي لا يريد نيل أو انتزاع التواصل الحميم ولا الاستحواذ عليه، بل يريد أن يقبله فقط بفعل عطاء حرّ.
يُعبَّر عن معنى موقف النفس هذا في ما قيل سابقًا. فعليه يقوم كل استقلال ذاتي ومتانة ونبل وطاقة مكوِّنة للشخص. ولكنّه لوحده يُخفي خطرًا في ذاته. فقد يجعل التفهم مستحيلاً؛ وقد يُنتج تكتّمًا متخوّفًا لا يؤدّي إلى ما بعد الذات ولا يقترب من الآخر، ولا يستطيع بعدُ أن يعطي ولا أن يأخذ. هذا الموقف يمكنه هكذا، أخيرًا، أن يجعل الجماعة مستحيلة وأن يجعل الإنسان لوحده.
لذا، لا بدّ من «تكامل»، من لعبة تصحيح متبادل. مع ذلك، لا يمكن تصوّر «التعويض» النفسي على شاكلة القوى الطبيعية كما يحصل في نظام سكونيّ حيث الدفع والدفع المضادّ يحافظان على الكلّ في حالة توازن. فالتعويض لا يحصل «بذاته»، بل فقط تحت تأثير قوّة معنوية حيّة: «إرادة جمع». إنّ الجمع لا يتمّ من خلال اتّصال كائنات طبيعية، بل من خلال التفاني الحرّ والمتبادل بين أشخاص معنويين. فهو يستند إلى إرادة الوصول إلى شكل حياة أرفع من شكل الحياة الممكن بلوغه كأفراد. إنّ التوق إلى الكمال وإلى ترقّي وجود نبيل أخلاقيًّا، وأخيرًا، إلى الله، توقًا ربّما غير واعٍ، هو ما يدفع الشخصية إلى الخروج من نطاق الذات الضيّق وإلى عطاء الذات لآخر، من أجل الاقتراب من الاكتمال من خلال حركة انفتاح وإثراء متبادل.
تنظّم فكرة الجمع حركة النفس، هذه الحركة المتميّزة بقطبَيْن: التفاني والحفاظ على الذات، والاجتذاب إليها والمحافظة على مسافة. تقتضي هذه الإرادة من الشخصين ثقة فعلية وتبادلاً للإرث الذاتي. إنّها تقتضي أن يقبل كل واحد الآخر باستعداد صريح؛ وتعلّم الاعتراف بالعوز الذاتي؛ وتعلّم الطلب والتلقّي. وتقتضي إرادة الجمع أن يدوم هذا التفاني في الزمن وألاّ تثبطّ العزيمة بسبب المصاعب. إنّها تحوّل الغريزة الطبيعية إلى فعل معنوي هو فعل حبّ حقيقي، وتعطي شجاعة التضحية وقوّة التواضع، وتمنح الثبات في الأمانة والأمانة الحصريّة. من خلال هذه الإرادة، يتمّ التفاني في الواجب، وهكذا فقط يمكن تخطّي الأنانية والخوف وذلاقة اللسان.
لكنّ الجمع نفسه يقتضي أن يبنيَه رباطٌ بين شخصيّتين مستقلّتين. فالإنسان لا يمكنه أن يكون وسيلةً لإنسان آخر من أجل غاية، بل غاية بحدّ ذاته: فحرّيّة ضميره ورأيه وقراره لا يمكن انتهاكها. فحول كل شخصيّة هناك دائرة مقدّسة لا يجوز لأحد تخطّيها ما لم تنفتح بذاتها؛ ولكن، وإلى درجة ما، لا يمكن لهذه الدائرة أن تنفتح دون أن تتدنّس. وبينما ترفع إرادة الجمع الصرف التوق إلى التفاني الحرّ وإلى التطلّع النبيل والأمانة الأكيدة، فإنّها تخلق ثقلاً موازنًا لكل هذا في موقف الاحترام العميق حيال الآخر وموقف الحياء الروحي حيال الذات.
وحده هذا الثقل الموازِن يؤمّن «اكتمال معنى كل جمع». إنّ التفاني الصريح يحطّم كتلة الفرديّة ويفتح «الأنا» من خلال «الأنتَ». ولكن، من جديد، يصون الاحترامُ العميق والحياءُ النفسَ من التشتّت ومن فقدان الكرامة الذاتية. فحركةٌ ما تجعل غنى الحياة المشتركة في متناول اليد؛ وحركةٌ أخرى تؤمّن شكل الموقف الباطني: انفراد وجمع؛ أن نصير كلاًّ واحدًا ونحافظ على المسافة. من هذين الميلين فقط ينشأ الاكتمال.
على انسجام هاتين الحركتين يقوم «جمال» الجمع: شكل صافٍ نبيلٌ في ملء العطاء والقبول. إذا كان للفظة «تكوين» (Bildung) معنًى ما، فهذا المعنى هو هنا بالذات، في كون قوّة الحياة تسيطر عليها حساسية مرهفة تجاه الحدود. هذا ما كان القدامى يسمّونه urbanitas (الأدب)، وفي القرون الوسطى «السلوك الجيد والحِلْم» (zuht und mâze)، الذي يقيم في العلاقات الاجتماعية جسورًا وحواجز بين الناس في آن معًا؛ الشعور بأنّه في كل وضع تسيطر بالتأكيد لعبة الأثقال الموازِنة، أثقال القوى التي تكوّن الجماعة.
يتعلّق ألم وسعادة الإنسان كثيرًا بكونه يقوم بشكل صحيح بمهمّة الجماعة بمعنى الوحدة. فحياته يمكن أن تغتني أو أن تحزن بقدر ما يستطيع الإنسان أن يقيم العلاقة الصحيحة مع الآخر أم لا.
ماذا يقول «سرّ الثالوث الأقدس» بهذا الصدد؟ يجب علينا فقط أن نضعه بين العلاقات المذكورة أعلاه ليضيء لنا تلك العلاقات بنوره.
هنالك إله واحد. طبيعة واحدة وحياة إلهية واحدة. والآب ينقلهما كلّيًّا إلى الابن؛ والآب والابن ينقلانهما إلى الروح القدس. الآب أو الابن لا يحتفظان بشيء لذاتهما. الابن لا يرفض شيئًا من عطيّة الآب، والروح القدس لا يرفض شيئًا من مانحَيه. ذاك يقبل من الآب كل ما هو وما يعطيه، وهذا يقبل كل شيء من الآب والابن. وكل ما للأقانيم الإلهية الثلاثة هو مشترك بينها: ملء الحقيقة التام، وكلّ نبل القداسة؛ روعة الجمال نفسها وثروة الطوباوية الواحدة اللامحدودة. الابن هو بالنسبة للآب تفهّم كلّي؛ والروح القدس يجمع بينهما كحبّ كامل. إنّ ما نسمّيه الحركة الأولى باتّجاه الجماعة، أي التفاني والتوق إلى الجماعة، يبلغ هنا درجته المطلقة: فالأقانيم الإلهية ليست مرتبطة كما يحصل بين الناس في اتّحاد النفوس العجيب من خلال الحبّ. بين الأقانيم الإلهية يسود تماثل كامل لكل ما نسمّيه حياةً وجوهرًا، لأنّها إله واحد. إنّ الحبّ الذي يخاطب الآخر بصيغة حميمية والذي «يؤدّي ـ كما يقول القديس فرنسيس دو سال ـ إلى درجة يمكن أن يقول فيها الواحد للآخر «قلبي الذي هو لديك»» ، يجد نفسه قد تحقّق هنا دون أيّ «يعني» ودون أي انتقاص: آب وابن وروح قدس يحيون حياة واحدة ونفس الحياة.
مع ذلك، وفي الوقت نفسه، توجد في الثالوث الحركة الأخرى أيضًا، وبأقصى درجة من درجات الكمال، أي حركة التقيّد بالذات والاحتفاظ بمسافة من الأشخاص. لأنّه، وإن كان كل شيء في الأقانيم مشتركًا، فإنّ الأقانيم الثلاثة عينها ليست كذلك. الأقانيم تبقى غير ممتزجة وغير قابلة للتبادل ولا للتجاوز إطلاقًا. فالآب ليس، بأيّ شكل، الابن، والروح القدس يتميّز عنهما بطريقة واضحة. هذا هو كمال الجماعة: محبّة وشراكة في كل شيء، حتى هويّة الكيان والحياة. ولكن، في الوقت نفسه، صيانة تامّة للذات من قبل الشخص.
يقابل كمال جماعة كهذه «خصبُها». فهو ليس علاقة بين شخصيات غريبة وموجودة كما هو الحال بين البشر، بل جماعة تولّد بمعنًى ما ذاتها.لأنّه من ملء الفهم الإلهي للذات، يولّد الآبُ الابنَ لملكية الطبيعة عينها، ولأنّه من قوّة المحبّة المتبادلة اللامتناهية بين الآب والابن يولّدان الروحَ القدس لملكيّة الحياة الإلهية عينها.
الثالوث الأقدس هو سرّ جميع الأسرار. ففكرنا عاجز حياله، ومن السهل أن يجتاحنا الشعور بالتفكير بكلمات بدل الأشياء. مع ذلك، إنّ الشمس التي يتعذّر علينا النظر فيها تلقي النور على حياتنا، وتُلقيه بالضبط انطلاقًا من نواتها المركزية: من كون أنّ إلهًا هو في ثلاثة أقانيم. يعلّمنا الثالوث الممجّد أنّ الدخول في جماعة يعني الاستعداد لعطاء كل شيء؛ ويعني الانفتاح باستعداد صريح من أجل ملء الآخر. يعلّمنا الثالوث أنّ كل شيء، أجَل كلّ شيء، قد يكون مشتركًا، وفي الدرجة القصوى يجب أن يكون مشتركًا. شيء واحد يجب ألاّ يكونه، وبذلك، يقابل التفاني الثقل الموازن له: الشخصية. فهذه يجب أن تبقى مصونة في استقلاليتها. والتضحية بها لا يمكن أن تكون منشودة ولا مقدَّمة ولا مقبولة.
بهذا، يتمّ حصر الموقف الأساسي لكل جماعة بوضوح. فالتفاني يجب أن يكون مُتاحًا ومقدَّمًا بالطريقة والقدر الصحيحين، وناقصةٌ هي كل جماعة يُخفي فيها أحدهم نفسه وأموره عن الآخر. لكنّ الحق في الشخصيّة مقدّسٌ ولا يُمَسّ ويجب أن يبقى مصونًا في ذاته: ففورَ عبور هذا الحدّ، تصبح جماعة ضدّ الطبيعة ولاأخلاقية أيًّا كان نوعها.
في سرّ الثالوث الأقدس توجد «الشرعة الكبرى» لكل جماعة بشريّة. والجماعة البشرية بكل أشكالها هي
Vestigium Trinitatis، أي صورة منعكسة لجماعة الثالوث الإلهيّة.
مع ذلك، إنها أكثر من مجرّد نموذج. ففي المسيح يتمّ اتّحادنا برباط جديد يتجاوز كل واقع طبيعي. في المسيح، ومن خلال حلول نعمة الروح القدس، وُلدنا من جديد وأُشركنا بشكل سرّي في الطبيعة الإلهية عينها . إنّنا إخوة في المسيح ، وأبناء للآب، والروح القدس هادٍ وصديق لنا جميعًا.
وفي الواقع، إنّنا لا نُفلح أبدًا في فهم كيف يمكن للإنسان أن يكون في النعمة «شريكًا للألوهية» ، وأن يبقى رغم ذلك مخلوقًا دون أيّ خلط. غير أنّنا نُفلح في الحدس أنّنا، نحن البشر، الذين أصبحنا الآن إخوة في المسيح، متّحدون برباط إلهي لا يوصف يقول عن حقيقته العجيبة القديسُ بولس أشياء عميقة جدًّا في رسائله إلى أهل أفسس وكولوسّي. هذه الوحدة التي تتجاوز كل شبه طبيعي عجيبة لكنّها فعليّة.
وحده رباط النعمة هذا يعطي البشر القدرة المعنوية لكي يحقّقوا هدف الجماعة الأساسي، أي أن يصبحوا حقًّا «أثرًا» حيًّا للثالوث الأقدس.
بهذه الطريقة، ينبع من الثالوث للإنسان ليس فقط نموذج حياة الجماعة، بل أيضًا القوّة لبلوغه. إنّها النعمة التي تمارس فعلها بالاحترام العميق الذي «يتنافس فيه أبناء الله في التقدير المتبادل» ، وبالحب الذي فيه «كل شيء مشترك بينهم» .
[مقتطف من كتاب رومانو غوارديني،Opera Omnia, VI, Scritti politici، ترجمة إيطالية بقلم ميكيلي نيكوليتّي، بريشا 2005، دار مورشيلينا للنشر، صفحة 89 ـ 98].