«إيجاد حركة عالمية للصلاة من أجل السلام» (راجع العظة في 25 كانون الثاني/يناير 1986): هذا هو الهدف الذي من أجله دعا يوحنا بولس الثاني إلى أسّيزي، في 27 تشرين الأوّل/أكتوبر 1968، ممثّلي الديانات الرئيسية في العالم. ومن الدلالة بمكان أنّ تلبية الدعوة البابوية كانت عديدة جدًّا. فهي تعني تأكيدًا هامًّا على أنّ في نفوس مليارات الناس، الحاضرين بصورة رمزية في أسّيزي مع ممثِّليهم الروحيين، يرسخ الاقتناع أكثر فأكثر بأنّ مصير البشرية و مصير كل إنسان معرَّض لمشكلة الحرب المعقّدة والمأسوية.
عند هذا الحدّ، إلى من يمكن الإنسان أن يتوجّه؟ وأين يمكنه أن يجد القدرة للسيطرة على القوى اللاعقلانية التي لا تقاوَم والتي ترافق الاستعدادات التهدِيدية للحرب، الحرب النووية؟ إنّ الإنسان العادي، البعيد عن الاستراتيجيات المعقّدة والمتوازنة للقلائل القادرين على اتخاذ قرار الحرب ، يدرك ضرورة التزامه الشخصي والمتضامن مع التزام الناس الآخرين لكي يترسخ السلام. وهو يدرك أيضًا أنّ هنالك صلة عميقة بين إرادة القوّة، وبالتالي، إرادة الحرب، وبين الخطيئة. من هنا قراره بأن يضع رجاءه في الله.
وحدها مبادرة الله حيال الإنسان تستطيع أن توحي وداعة القلب التي تشكّل منطلقًا لازمًا إلى حياة مسالمة على الصعيد الشخصي وعلى صعيد الجماعات الوسيطة وقوى العالم.
طبيعة واحدة
إنّ تعليق آمال السلام الشخصية على حركة عالمية للصلاة وتوظيفَ الطاقات الشخصية فيها أمران يعنيان التأكيد على تصوّر أو مفهوم دقيق للسلام عينه. وفي الواقع، من تُراه لا يبتسم أمام محاولة تقوم بها حركة مجرَّدة من السلاح ومكوّنة من صلاة متواضعة حارّة للبروز كحصنٍ للسلام في محيط ملؤه توازنات معقّدة وغير أكيدة مبنيّة على أسلحة مزوَّدة بقدرة دمار عالمي؟ قد تكفي ملاحظة بسيطة للدلالة على مفارقة هذه المبادرة البيّنة. فهل كان الإنسان، على مرّ التاريخ، قادرًا على عدم استخدام أدوات صنعها بمشقّة كبيرة وبإنفاق موارد كثيرة؟ هل تكفي ذكرى هيروشيما لوقف منطق امتلاك القوّة الذي يبدو أنّه يدفع الإنسان المعاصر إلى تطبيق الضرورة التكنولوجية اللاعقلانية الآمرة في كل حقل: أنا أستطيع، إذن، يجب عليّ؟
يفتح هذا التساؤل المقلق بالذات الطريق إلى الفهم أنّ السلام عطية من الله قبل كلّ شيء. فالسلام، في الواقع، ليس بالدرجة الأولى ثمرة توازن بين قوى تختلف على مصالح متعددة الطابع، بل هو بُعدٌ لحياة الإنسان ذاتها وهو خيرٌ له.
إنّ الأساس الأنتروبولوجي للسلام أمرٌ يمكن كل إنسان أن يختبره في حياته اليومية. فالإنسان يدرك أنّ الحصول على السلام يعني مقارنة النفس مع الحقيقة ومع الواجب الأخلاقي الذي ينشأ عن هذه المقارنة حتمًا. إنّ علاقة السلام الوثيقة بالحقيقة تُثبت أنّ السلام عطيّة من الله. وفي الواقع، كيف يمكن الإنسان أن يجد سلام القلب خارج العلاقة مع الآخرين ومع الأشياء التي مصدرها الرئيس هو الله؟ إنّ البُعد الأنتربولوجي للسلام، أي الحصول على سلام الذات ومع جميع الناس، يكتشف مبدأً في الله، مبدأ نظام ينظّم فكرة العدالة بالذات، وبالتالي فكرة التعايش بين الناس والشعوب. ففي الحقيقة وحدها، في الواقع، هناك الحريّة وفي الحريّة وحدها هناك كرامة كل إنسان وكل شعب. وهذا الأمر يفسّر لماذا قام أناس تجمع بينهم خبرات دينية، وإن شديدة الاختلاف في ما بينها، بتلبية دعوة يوحنا بولس الثاني.
هناك رابط بين السلام كمجال وجود كل إنسان وبين السلام كتخطٍ لمنطق الحرب داخل تعايش منسجم بين الشعوب. والقول إنّ السلام عطيّة من الله يعني الاعتراف بطبيعة السلام الواحدة على الرغم من ظهورها بأشكال مختلفة. من دون الوقوع في تبسيطيّة مرتهِنة، يمكننا القول إنّه ليس من سلام دون عمل كل إنسان بشغف من أجل حقيقة ذاته ومن أجل بناء حضارة الحقّ والمحبّة. أمّا الحرب، وبعكس ذلك، وأَبعدَ من نظريات علماء الحرب المختلفة بشأن أصلها، فهي قرار أناس قلائل. هذا هو المعنى العميق للقول الأغوسطيني العظيم الذي لم يكلّ يوحنا بولس الثاني عن ترداد صداه: يُنال السلام بالسلام لا بالحرب!
لكنّ السلام هو عطيّة الله موكلةٌ إلى الإنسان. ولذا، فالسلام يصبح واجبًا أوّليًّا في حياة الإنسان، واجبٌ يدعو الإنسان إلى تربية نفسه عليه. إنّ إيقاف الحرب أمرٌ ممكن فقط من خلال بناء بشرية جديدة بناءً بطيئًا وصبورًا. وإن التربية هي الشرط الأسمى لهذا البناء. لقد كتب القدّيس فرنسيس صلاة شهيرة يعتبّر بحقٍّ عن مضمون هذا الواجب التربوي: «يا ربّ، استعملنا للسلام، فنبشّر بالحبّ حيث يسود البغض، ونقدّم المسامحة حيث تجرح الإساءة، ونبني السلام حيثما يسود النزاع!»
أن يعيش المسيحيون في حالة انتظار عودة المسيح النهائية «بعيشهم بسلام قدر الإمكان» (إلى أهل رومية 12، 18) أمرٌ يعني الإدراك أنّ السلام بين الشعوب، وبالتالي سلام البشرية، لن يكون ممكنا إلاّ انطلاقًا من سلام الشخص. بالإضافة إلى ذلك، إنّ المسيحيين يعرفون أنّ السلام يقتضي نضالاً، ونضالاً مفتوحًا دائمًا على الفشل. ولذا، يجب طلب السلام من الله، صانعِ السلام الوحيد بالمعنى التامّ.
طريقة متميزة
إنّ الحركة العالمية للصلاة من أجل السلام التي أسهم يوحنا بولس الثاني في إنشائها لها جذور متأصّلة. وفي الواقع، إنّ الصلاة من أجل السلام قد احتلّت، في تاريخ الشعوب والأديان، مكانة ذات أهميّة أوّليّة. وإنّ هذا الدفق العارم من الاستحداثات يدلّ إلى أنّ الاهتمام اليومي بالسلام كان دائمًا دافعًا يدفع على تعميق تلك الطريقة المميِّزة للعلاقة بين الله والإنسان، أي الصلاة. فالصلاة في جوهرها طلب. هي طلب الإنسان من خالقه لكي يحقّق ذاته. إنها طلبٌ ينشأ داخل الظروف التاريخية الواقعية التي يوجد فيها الإنسان. فهذه الظروف بالذات هي التي تلحّ على الإنسان لكي يعمّق الحوار الأساسيّ مع الله. ومن صميم هذا الطلب ينبع طلب السلام كطلب الحالة المفضَّلة التي يمكن الإنسان فيها أن يتعرّف إلى ذاته وإلى الآخر وأن يحاول القيام معه ببناء مجتمع أكثر عدالة يكون فيه الجمال والحقّ والصلاح أبعادًا مُعاشة.
لكنّ صلاةً كهذه تنشأ أيضًا عن الإدراك الذي أكّده التاريخ تأكيدًا مأسويًّا أنّ الإنسان لا يعرف بقواه الذاتية أن يمنح نفسَه السلام لأنّه لا يستطيع لوحده أن يسيطر على إرادة القوّة التي تزرعها الخطيئة في القلب. إنّ السلام، في أبعاده الشخصية والكونية، مهدَّدٌ تهديدًا بنيويًّا من قِبَل الاختيار الاعتباطي الذي يستهوي الإنسان في عيش العلاقة مع ذاته ومع الله ومع الآخرين. في عطية السلام المنشودة دائمًا، يكتشف الإنسان أنّ الذي يخلقنا يخلقنا لحظة بعد لحظة. فنحن معلَّقون به (أي بالخالق)، الذي هو قوّة الكائن الدائمة. وفي الخالق ـ يقول القدّيس بولس ـ «نحيا ونتحرّك ونوجد» (إلى أهل رومية 17، 28) لأنّنا ذرّيته بمعنىً ما. إنّ طلب السلام من الله يصبح، بهذه الطريقة، أفضل ضمان للسلام، وليس طبعًا لكي يعفينا هذا الأمر من العمل المتواصل والمعقّد من أجل توفير الشروط المتعدّدة الأشكال التي تتيح حالة سلام، بل لأنّ الله وحده يستطيع أن يبدّل قلب الإنسان وأن يقاوم إرادة القوّة بإرادة حبّه المسالمة.
طلب ٌ صادق
في أسّيزي تواجد ممثّلو الأديان العالمية الرئيسية معًا لكي يصلّوا لإله السلام لكي يقي البشرية من الدمار. وحمل كل وفد ممثِّل غنى تراثه الديني وغنى الشعوب التي تعيشه. ولذا، توجّه كل وفد، وبعد ترحيب الحبر الأعظم به، إلى مكانٍ محدّد مسبقًا ليصلّي حسب طقسه الديني. وفي فترة لاحقة، أي حين عادت جميع الوفود وتلاقت في فترة ثانية في كنيسة القدّيس فرنسيس العليا، صلّى كل وفد بدوره أمام الآخرين الذين استمعوا صامتين. فكان ذلك الحدث تواجدًا في نفس المكان من أجل الصلاة أكثر منه القيام بصلاة مشتركة. وفي الواقع، شارك كل واحد بوجهه الخاص في الحركة الكبيرة من أجل السلام. وهذا أمرٌ يتطابق تمامًا مع مفهوم حياة أناس يسعون إلى السلام بواسطة الصلاة أيضًا. وهؤلاء، في الواقع، يشهدون، بصلاتهم من أجل السلام، أنّ السلام لا يتوفّر من دون الحقيقة. والصلاة، في الواقع وفي تحليل أخير، هي طلب الحقيقة. ولذا، فإنّ كل دين أصيل ينفتح أكثر فأكثر على الحقيقة عبر التعمّق في هويّته. إنّه ينفتح على الحقيقة الموضوعيّة التي لا تُفهَم بحسب طريقة انتقائية وغير منوِّعة للهويّات المختلفة، بل، بالعكس، تُنشَد بشوق كبير وتُعرف وتُقبَل أينما كان بودّها الظهور.
إذن، إنّ السلام ليس قيمةً إلاّ إذا نشدناه، شأن كل قيمة أخرى، من داخل طلب الحقيقة ومن خبرة الحقيقة الواجب على كل واحد أن يضحّي بهوّيّته من أجلها، وإلاّ فإنّ السلام سيصبح كلمة فارغة، وبالتالي سيكون مستحيلا سلوك طريقه. وفي الواقع، وعلى الدوام، يطلب الناس السلام من أطراف الأرض الأربعة... ويعلنون الحرب!! إنّ ما الناس منقسمون بشأنه انقسامًا عميقًا ليس السلام بل الحقيقة.
لكنّ رغبة السلام، التي تزداد حرارة بعد الوثائق التي لا تزال حديثة العهد، وثائق الدمار الذريّ، وانطلاقًا من آلاف وآلاف الشهادات اليومية لأوامر حرب جديدة أكثر فتكًا، يمكنها أن تكون الطريق الكبير الذي يدعو الله فيه اليوم جميع الناس إلى الحقيقة غير القابلة للإلغاء والتي هي أساس سلام دائم.
ولذا، فإنّ لقاء أسّيزي، وفي الوقت نفسه الذي كان فيه صلاةً قد شكّل حدثًا ثقافيًّا وحضاريًّا.
لقد شكّل حدثًا ثقافيًّا لأنّ الصلاة نفسها تأخذ شكلاً من الطبيعة الخصوصية للّقاء مع الله والإخوة. ولذا، ففي الصلاة أيضًا يتمّ التعبير عن هذا الشكل الثقافي. وبهذا المعنى، كان لقاء أسّيزي سمفونيّةً تناغَمَ فيها الصوتُ بانتظام مع الأصوات الأخرى لأنّه كان نفس الصوت!
إنّ التوق الذي لا يخبو إلى السلام والذي جمع ممثّلي أديان مختلفة قد أصبح علامة حضارة أيضًا. فقد كان، في الواقع، نداءً موجَّهًا إلى جميع البشر، وبخاصةٍ إلى أقوياء هذا العالم، لكي يعترفوا بأنّ تقدّم البشرية الأخلاقي الذي لا يمكنه إَلاّ الارتكاز على السلام يقتضي تخطّي الإيديولوجيّات. فالإيديولوجيّات، في الواقع، تمنع الإنسان من تقبّل الحقيقة المعطاة في طبيعة كل واحد منا، والتي بطريقة ما يختبرها جنينيًّا الجميع، هذه الحقيقة التي أوحى بها بشكل خاص ذاك الذي أتى ليحمل «السلام على الأرض للبشر الذين يحبّهم» (لوقا 2، 14).